الحوار مع الآخر
المواقف-المحاور-القنوات
بحث مقدم إلى: مسابقة دبي الثقافية لعام 2008-2009
شريف عبد الستار عكاشة
المحتويات
مقدمة……………………………………………………………………. 4
الفصل الأول: تحديد المواقف…………………………………………….8
1:1 تمهيد……………………………………………………………….8
2:1 المشترك الإنساني بين الثقافات……………………………….11
3:1 الموقف من الذات………………………………………………. .2
1:3:1 جبهة التراثيين والحداثيين…………………………………..21
2:3:1 جبهة الإسلاميين والعلمانيين……………………………….28
1:2:3:1 التطرف المنهجي………………………………………28
2:2:3:1 التطرف المذهبي………………………………………36
3:3:1 جبهة المسلمين والمسيحيين…………………………………. 40
4:1 الموقف من الآخر………………………………………………….45
1:4:1 الموقف الارتمائي………………………………………………46
2:4:1 الموقف العدائي………………………………………………….47
3:4:1 الموقف الانتقائي…………………………………………………49
5:1 موقف الآخر من الذات……………………………………………51
1:5:1 الموقف العدائي………………………………………………. 51
2:5:1 الخطاب الإيجابي……………………………………………..54
3:5:1 الخطاب الاحتوائي……………………………………………58
الفصل الثاني: محاور الحوار ………………………………………….61
2-1 المحور الثقافي …………………………………………………..61
1:1:2 المحور الثقافي:الأنثروبولوجي …………………………….66
2:1:2 المحور الثقافي: الإبداعي ………………………………….68
2:2 المحور الديني …………………………………………………..73
1:2:2 المحور الديني الفلسفي………………………………………75
2:2:2 المحور الديني القيمي………………………………………..80
3:2 المحور التاريخي……………………………………………….84
الفصل الثالث: قنوات الحوار……………………………………….88
3-1 خلق النموذج…………………………………….88
3-1-1النموذج المعرفي……………………………..91
3-1-2 النموذج القيمي………………………………96
3-1-3النموذج الحواري…………………………….98
3-2الإعلام………………………………………..100
3-2-1الإعلام التقليدي………………………….101
3-2-1-1الصحافة………………………..101
3-2-1-2التليفزيون………………………102
3-2-2الإعلام الجديد……………………………105
3-3جماعات الضغط………………………………108
المراجع والمصادر………………………………..112
مقدمة
قضت سنة التطور البشري منذ بدء الخليقة أن يكون الصراع هو أحد القوانين التي تحكم حركة الحياة وتؤدي إلى تعاقب النظم وتدافع الأيديولوجيات وصعود حضارات على أنقاض حضارات سابقة وسيطرة منظومات قيمية في فترة من الفترات وإقصائها لمنظومات قيمية أخرى لاتتفق معها في الأسس العقيدية الراسخة أو المصالح الآنية الحادثة. إلا أن هناك فرقا بين توصيف الصراع كقانون حتمي خارج الوعي تسير وفقا له حركة الحياة وتدور معه عجلة التاريخ رغما عنها ودون وعي منها بأنها تخضع لقانون أصلا، وتوظيف الصراع بشكل مقصود ليصبح جزءا من وعي الآخر ليزيفه ويوجهه إلى وجهة الصدام الدموي المتعمد من أجل تحقيق مصالح فئة محدودة من البشر في غفلة من التاريخ. إن التوظيف السياسي والإعلامي لنظرية الصراع هو ماجعلها تتحول من نظرية مفسرة للتاريخ إلى أداة لهدم التاريخ، في يد فئة من الساسة الديماجوجيين الذين يقفون على رأس مايسمى بالنظام العالمي الجديد وفئة أخرى من الدعائيين ممن يتصدرون جبهة الإعلام الرأسمالي الذي يتلقف مؤشرات الاتجاه السائد، أيا كان مضمونه، ويبني عليها سيناريوهات الأساطير التي تدر عليه المكاسب الطائلة.
إن الصراع هو "عملية" من الاحتكاك المتواصل بين الثقافات، أي بين نظم القيم المتماهية مع الذات والمحيدة للآخر. أما الصدام فهو حدث مادي يقع بين الحضارات التي تعتمل في ظلها عمليات الصراع الثقافي بين منظومات القيم والأيديولوجيات، أي بعبارة أخرى، هو محصلة الصراع. والسؤال هو: هل الناتج التصادمي هو المخرج النهائي والحتمي للعملية الصراعية؟ يجيبنا التاريخ: لا. فكم من منظومات قيمية سقطت وصروح أيديولوجية تهاوت لتحل محلها صروح أخرى دون إراقة قطرة دماء أي دون الإيقاف المتعمد لعجلة التاريخ. ويبدو أن ثمة عملية غير محسوسة من الانتخاب الطبيعي تتم على المستوى القيمي والثقافي لم تكتمل بعد ستؤدي حتما في النهاية إلى انتقاء النموذج الحضاري والقيمي الأصلح للعيش فوق هذا الكوكب. إن الحوار بين الحضارات يمكن أن يكون أحد الوسائل التي توجه عملية الانتخاب القيمي هذه من بعيد دون أن تتدخل فيها. ولكننا لانقصد بالحوار في هذا المقام ذلك المفهوم الرومانسي الذي يتبناه دعاة حوار الحضارات والأديان في الوقت الحالي في شكل حوار لغوي متبادل بين مجموعة من الأصفياء الذين ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية وعرقية مختلفة حول طاولة معدة للحوار في إطار اتفاق ضمني بأن يسير الحوار في اتجاه الوفاق الدائم. إن الحوار الذي نعنيه ونتخذه مرتكزا لبحثنا الراهن هو الحوار غير المباشر بين العقول، وبين النماذج الواقعية التي تمثل منظومات القيم قبل أن يكون حوارا كلاميا بين عدد محدود من البشر قد نكتشف في النهاية أنهم لايمثلون إلا أنفسهم. فالحوار غير المباشر إذا يتطلب خلق نماذج معرفية عن الذات وعن الآخر يتم التحاور بينها واستنادا إلى مرجعيتها، ثم اكتشاف نماذج واقعية تمثل النماذج النظرية والتأصيلات الإبستمولوجية التي تم تأسيسها و التحاور بشأنها ابتداء. أي أنه حوار ذهني بين المفكرين الذين يتواجدون في أسيقة مكانية وربما زمانية متنائية ، وحوار إدراكي بين وعي الآخر المتحيز لذاته والنماذج الموضوعية التي تتحدى بها الذات المغايرة القناعات المترسبة في ذلك الوعي. حينئذ فقط سيكون للحوار المباشر مغزى من حيث إنه سيمثل دعاية للنماذج التي تم بناؤها بهدف استثمارها وبناء نماذج أخرى مشتركة تأسيسا عليها بعد وصول كل طرف إلى اقتناع بالطرف الآخر. وقد لايحدث هذا الاقتناع نتيجة وجود خلل في بنية النماذج المعرفية التي تم تأسيسها وتلك النماذج الواقعية التي تم الكشف عنها أو خلقها، فتتم مراجعتها من جديد قبل العودة إلى طاولة الحوار.
لقد اختير لهذا البحث عنوان " الحوار مع الآخر" والذي نعني به الغرب. ورغم أن مفهوم الآخر أوسع بكثير من مفهوم الغرب، إلا اننا لم نؤثر استخدام مصطلح "الغرب" إلا عند الضرورة التي يتوهم معها حدوث لبس ما، نظرا لما يحمله في طياته من تشييد لقالب نمطي عن الغرب ككيان "غريب" مثلما أسس الغرب مفهومه عن الشرق. كما أنه لم تبرز أية ثقافة أخرى في وعينا على أنها "الآخر" المغاير لنا قيميا مثلما برزت الحضارة الغربية دائما،ولم يعرف الغرب ذاته تعريفا جامعا إلا بإقصائنا من هذا التعريف.
ومن المسلمات التي هي في حكم البديهيات أنه لايمكننا إقامة حوار مع الآخر دون أن يسبقه حوار داخلي مع الذات.والذات هنا تمثل الهويتين العربية والإسلامية في آن دون أن ندخل في ذلك الجدل التقليدي الذي لم يحسم حتى الآن بين المفكرين العرب حول إعطاء الأولوية للعروبة على حساب الإسلام أم العكس. إن حسم هذا الجدل يمكن أن يمثل أحد موضوعات الحوار الداخلي إلا أنه لايدخل في أجندة الحوار مع الآخر نظرا لأن الغرب دائما يرى العروبة والإسلام وجهين لعملة واحدة. لذا فقد خصصنا الفصل الأول الذي يحمل عنوان "تحديد المواقف" لتأصيل نظري أولا لمفهومي الذات والآخر، ثم طرح أمثلة للجبهات الداخلية للحوار هي جبهة الإسلاميين والعلمانيين وجبهة التراثيين والحداثيين ثم جبهة المسلمين والمسيحيين.ثم نتصدى بعد إرساء المفاهيم الأساسية وترتيب الجبهات الداخلية، إلى الحديث عن موقفنا كعرب ومسلمين وشرقيين من الآخر، ثم موقف الآخر منا.
أما الفصل الثاني فإنه يطرح تصورا للموضوعات التي يمكن أن يدور حولها حوار الحضارات مع الآخر، في سياق التعريف بالذات مع التركيز على أن هذه الموضوعات أيضا تصلح للحوار الداخلي في سياق تحليل وفهم الذات. هذه المحاور هي المحور الثقافي والمحور الديني والمحور التاريخي.ثم يأتي الفصل الثالث ليتناول القنوات التي يتم من خلالها التحاور مع الآخر سواء في إطار الحوار المباشر أوالحوارغير المباشر، وكذلك استراتيجيات وطرق الحوار. وتعتمد الدراسة مقاربة ثقافية في معالجة موضوع الحوار مع الآخر تعتمد على تحليل عناصر الثقافة على المستويين الأنثروبولوجي والإبداعي والمستويات الفرعية التي تتمخض عنهما على مستوى الواقع الراهن والواقع التاريخي، متبعة منهج النقد التاريخي في معظم الأحوال. كما تستعين الدراسة بمناهج أخرى فرعية مستمدة من العلوم الإنسانية والطبيعية إيمانا بأن التداخل المنهجي بين العلوم أصبح ضرورة لاترفا من أجل الوصول إلى فهم عميق لتلك الظاهرة المعقدة التي تلتقي عندها كل العلوم: الإنسان.
الفصل الأول
تحديد المواقف
1:1 تمهيد
شهدت السنوات الأخيرة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حشدا هائلا لخطاب الحوار بين الثقافات سواء في شكل دعوة إلى الحوار بين الأديان او الحوار بين الحضارات، تمت ترجمته عمليا إلى زخم هائل من الندوات والمؤتمرات شرقا وغربا تجنبا لمزيد من الصراع والصدام بين الحضارات من شأنه أن يهدد السلم والأمن الدوليين . ويمكننا القول إن هذه المؤتمرات –على مستوى الواقع العملي-لم تحقق أية نتائج ملموسة على صعيد الهدف المنشود وهو تقليص بؤر الصراع الناتج عن سوء الفهم المتبادل بين الثقافات والحضارات المختلفة وما تحويه من أيديولوجيات وديانات ومذاهب فكرية واجتماعية وسياسية. وعلى صعيد الحوار بين الأديان يرجع السبب في مثل هذا الإخفاق إلى أن الحوار الدائر يعتمد أحد طرفين نقيضين لا حد أوسط بينهما ؛ فهو إما ينطلق من رؤية علمانية مبالغ فيها للأديان ترى أن ثمة شيطانا في التفاصيل الدينية-كما هو الحال في مؤتمر مدريد عام 2008 أومن رؤية ثيولوجية ضيقة لها تحتفي بالتفاصيل العقيدية الخاصة بكل دين على حساب المشترك الحضاري بين الثقافات والأديان.-كما كان الحال في المؤتمرات السابقة على مؤتمر مدريد[1]. وترجع جذور الدراسة العلمانية للأديان إلى بداية عصر التنوير الأوروبي الذي مثل مرحلة فارقة بين رؤية الأديان الأخرى من منظور ثيولوجي متحيز لما كان يعرف ب "التاريخ المسيحي المقدس " وبين الدراسة العقلانية الموضوعية للدين والتاريخ التي لاتفرق بين المسيحية وغيرها. إن الإفراط في إدارة الحوار وفقا لهذه المقاربة العلمانية يؤدي إلى صهر الأديان كلها في بوتقة واحدة وتجاهل خصوصياتها العقيدية والثيولوجية –التي عادة ما تكمن وراءها أسباب كثيرة تؤدي إلى نشوب الصراع وإغفال الخلفيات الثقافية المعقدة المرتبطة بها والتي تؤثر على أفعال البشر حتما وواقعا في المحيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وبالتالي يعد تجنب مناقشتها نوعا من الهروب من المواجهة مع المشكلات الحقيقية خوفا من نكأ جراح لامفر في الواقع من نكئها عن طيب خاطر على مائدة الحوار بهدف إعادة تنظيفها وتضميدها بدلا من تركها تنزف دائما في شكل ثارات وعداءات لانستطيع سبر أغوارها ولافهم أبعادها التاريخية والثقافية نتيجة هذا الخوف الدائم من المواجهة الحضارية الجريئة والرشيدة في آن.
إن هذه الرؤية التي أسميناها بالرؤية العلمانية المتطرفة –تمييزا لها عن الرؤية العلمانية المعتدلة للأديان على ماسنرى- تتجنب دائما مناقشة القضايا السياسية والدينية والاختلافات الأيديولوجية المصاحبة وتركز على "المشترك الإنساني بين الأديان" [2] غير مدركة أن هذا المشترك الإنساني له في الواقع جذور عميقة في الثقافة التي نشأ فيها كل دين تجعله في التقييم النهائي يخرج عن دائرة هذا المشترك إذا ما تم إغفال جذوره المتأصلة في كل ثقافة على حدة .ولكي نبتعد عن التعميمات النظرية التي قد لاتكون واضحة بنفس الكيفية عند كل قراءة، نضرب مثالا. وهذا المثال نجده في مفهوم المساواة بين الجنسين في الإسلام والمسيحية، فكلتا الديانتين-في المجمل الأعم وبصرف النظر عن التفاصيل الثيولوجية والفقهية - تدعوان إلى مثل هذه المساواة إلا أن ثمة اختلافا في الباراميترات والمعايير الخاصة بهذه المساواة وهي باراميترات لها جذور ثقافية وعقيدية وسوسيولوجية متجذرة في المجتمعات التي نشأت فيها الديانتان -تؤدي في النهاية إلى اختلافات حادة بين أصحاب الديانتين حول هذه الباراميترات بل وحول وجود المبدأ ذاته كثيرا ما وصلت إلى حد التراشق غير المنصف وغير المتسم بالعقلانية بين الفريقين أدى ويؤدي إلى تعميق روح الكراهية والعداء ودعم القوالب النمطية المغلوطة التي تقود في النهاية إلى تشكيل رؤية معادية عن الآخر تترجم إلى فعل بشري عدواني بل وتستغل أحيانا من قبل قوى خفية لتحقيق مطامع كبرى لصفوة من البشر تتحكم في مصائر الشعوب ..وبالتالي فإن غياب مثل هذه العوامل الثقافية المعقدة عن خلفية الحوار يؤدي بالمناقشات والحوارات إلى لاشئ.
أما اعتماد الرؤية الثانية والتي أسميناها بالرؤية الثيولوجية ووصفناها بأنها رؤية ضيقة بقدر مايتعلق الأمر بالحوار بين الأديان ،فإن من شأنها أن تحيل الحوار إلى مناظرة ثيولوجية بين الأديان وتناحر أيديولوجي بين الثقافات يحول ساحة الحوار إلى منبر دعائي لكل دين على حدة دون أن يذيب الاختلافات المعقدة القائمة بينها نظرا لارتباط هذه الاختلافات -من بين أمور عديدة ترتبط بها- بفكرة المقدس الخاص بكل دين وهي فكرة يصعب على البشر التخلي عنها وإذا كان سبيل لهذا التخلي من عدمه فإن مجاله ليس هذا النوع من المؤتمرا ت وإنما المناظرة الثنائية بين كل ديانتين يرغب معتنقوها في ذلك ،وكما يقول الخطاب القرآني "ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة " ولكنه في الواقع لم يشأ بشهادة لو التي هي حرف امتناع لامتناع وبشهادة الواقع ذاته .
إن موضوع الثيولوجيا هو لب الدين، وإذا وصلنا إلى لب كل عقيدة بشرية وصلنا إلى نقطة الاختلاف الصعبة التي لاتلتقي عندها ديانتان إلا أصبحتا ديانة واحدة وهو أمر محال كما يشهد واقع الحال. وبالتالي فإن الاقتراب من هذا اللب الثيولوجي ومحاولة مناقشته لن يؤدي إلى أي نوع من التفاهم ومن ثم إلى تعميق الخلاف واستدعاء روح الشقاق .ولكن هل معنى هذا أن الحل الوحيد يبقى في اللجوء إلى فكرة "المشترك الإنساني بين الأديان " التي نقدناها حالا واتهمناها بالاختزالية والهروبية ؟ هذا ما يتعين علينا استجلاؤه حالا.
2:1المشترك الإنساني بين الثقافات
لقد وصفنا الرؤية التي "تصهر" الأديان كلها في بوتقة واحدة بغية تجنب المشكلات التي قد تنجم عن التراشق الثيولوجي بينها بالرؤية العلمانية المتطرفة نظرا لأنها تتطرف في تجاوز الخصوصيات الدينية التي تلعب في الواقع دورا في تكوين استيروتايب ثقافي معين عن كل جماعة دينية يؤدي إلى نشوب الصراع أو يتم توظيفه من أجل اختلاق الصراع .أي أنها تحاول حل المشكل بتجاهله، وهو ما لايعد حلا.ونستعيض عن هذه الرؤية برؤية بديلة يمكن أن نطلق عليها "الرؤية العلمانية المعتدلة " وهي رؤية تضع الأديان كلها على قدم المساواة من حيث أحقيتها في الوجود دون تجاهل لبابها الثيولوجية والعقيدية التي قد تتعرض لسوء الفهم الذي من شأنه أن يؤدي إلى نشوب صراعات، على أن يكون الهدف هو معالجة نقاط سوء الفهم في إطار من الحوار الهادئ دون الدخول في نقاشات ومجادلات ثيولوجية عقيمة.ولكي تتحول هذه الرؤية إلى رؤية عملية تحقق نتائج ملموسة على موائد الحوار بين الحضارات فإنها يلزم أن تستبدل مفهوم "المشترك الإنساني بين الأديان " بهلاميته وغموضه وتجاوزه التعقيدات الثقافية للواقع الديني في المجتمعات بمفهوم آخر يمكن أن نسميه " المشترك الإنساني بين الثقافات" وهو مفهوم يدور حول محورين :المحور الأول يتناول مبادئ إنسانية عامة يجب الاتفاق عليها بين معتنقي جميع الديانات أهمها الاعتراف بحق كل جماعة في أن يكون لها عقيدتها الخاصة واحترام قدسية هذه العقيدة من قبل الجماعات الأخرى واعتبار الاعتداء عليها بالسب أو النقد الهجائي المدنس لهذه القدسية جريمة في حق الإنسانية. .إنه متى تم فهم فكرة المقدس في العقائد البشرية وأبعادها النفسية والسوسيولوجية، فإن ذلك كفيل بأن يجعل حتى الحوار الثيولوجي حول التفاصيل الدينية حوارا متسما بالهدوء والعقلانية .ولحسن الحظ فإن الخطاب القرآني يؤيد هذه الرؤية بوضوح، فقد اعتبر الكفر ملة فقال مخاطبا الكفار "لكم دينكم ولي دين" [3] ودعا إلى الحوار الهادئ بين الأديان وفقا لمبدأين عظيمين يتمثلان في " لاإكراه في الدين"[4] و "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"[5]. وهنا يثور التساؤل التالي: ماالفرق بين المشترك الإنساني بين الأديان والمشترك الإنساني بين الثقافات إذا كان الدين نفسه جزءا من الثقافة وأحد عناصرها.وهذا التساؤل نجيب عنه بوضوح في الفصل الثاني من خلال طرح رؤية بديلة للاتجاه العام حول العلاقة بين الدين والثقافة ترى الدين من حيث محتواه على أنه –وبخاصة في حالة الأديان ذات الطابع العالمي مثل الإسلام والمسيحية-معطى خارج الثقافة يتفاعل معها ليصبح هو نفسه ثقافة جديدة تعد في جانب منها مزيجا من القيم الإيجابية الموجودة أصلا في الثقافة وتلك التي أوجدها الدين.
أما المحور الثاني فإنه يتمثل في دراسة المشترك الإنساني بين الأديان لكن في إطار الثقافة التي نشأ فيها كل دين وذلك من أجل التعرف على الجذور الثقافية التي تكمن وراء المفاهيم المشتركة أوالتي يفترض أنها مشتركة والتي يمكن أن يؤدي عدم فهمها إلى تكوين صورة نمطية سلبية عن الآخر. وهنا يتم التركيز على السياق أكثر من المحتوى، على عكس المحور الأول. ومن هذا المنظور السياقي فقط يمكن اعتبار الدين عنصرا داخل الثقافة. فإذا كنا بصدد مفهوم المساواة بين الجنسين مثلا نجد أن الخطاب الغربي المعادي للإسلام ينكر وجود هذا المفهوم برغم حضوره جليا في الخطاب الإسلامي وذلك لعدم القدرة على تفهم السياق الثقافي لمفهوم عدم المساواة الذي كان متأصلا في الثقافة العربية وجاء الإسلام ليغيره. فالإسلام بدأ توجيه خطابه إلى سياق اجتماعي ذكوري متطرف بالأصل؛ ولذا فإن فكرة تعدد الزوجات التي ينسبها الكتاب الغربيون إلى الإسلام كانت بالأصل عادة موجودة في الثقافة ولم يأت الإسلام بها وإنما-على العكس من ذلك-أمر بتقييدها بقصر عدد الزوجات على أربع على سبيل الإباحة وليس على سبيل الأمر والترغيب كما هو واضح من الخطاب القرآني. إن الدين، بمعالجته لأخطاء الثقافة، يقيد روافد القيم السلبية فلايبقي منها إلا القليل حتى لايحدث خلل في بنية المجتمع، فيتوهم من لايعرف طبيعة هذه الثقافة أن تلك الروافد المتبقية هي من ابتداع الدين مع أنها في الواقع تمثل بقايا ما تم تجفيفه من منابع أصلية. فإذا ماعادت عيوب الثقافة لتطل برأسها من جديد بعد انحسار تأثير الدين انفتحت هذه الينابيع على مصاريعها مرة أخرى- ولكن بعد تورط الدين- فيتوهم أن هذا الأخير هو المسؤول عن تفجرها رغم أن تأثيره قد تراجع إلى الوضع الافتراضي للثقافة . .إن الخلط بين معطيات الثقافة و معطيات الدين غالبا ما يؤدي إلى تكوين أنماط ثابتة خاطئة تعمق سوء الفهم بين الثقافات. والحل لهذه المعضلة لن يكون إلا بالتفكيك العلمي غير المتحيز للمعطى الديني والمعطى الثقافي ومكونات كل منهما لتبين أوجه الاختلاف والاتفاق بينهما سواء في المجتمعات التي نشأ فيها الدين أو تلك التي كان أجنبيا عليها.
إن الصراع هو حقيقة تاريخية لايمكن إنكارها من خلال مجموعة أحلام يوتوبية لايؤيدها الواقع ولكن،كما أشرنا في المقدمة، ثمة فرق بين توصيف الصراع تاريخيا من أجل معرفة أبعاده المختلفة لتجنبه مستقبلا وتوظيفه آنيا لاستغلاله حاضرا ومستقبلا في تحقيق أهداف سياسية تستفيد بها فئة محدودة من البشر. .ولعل هذا البعد التوظيفي في نظرية صراع الحضارات هو الذي أفقدها مصداقيتها برغم ما كان يمكن أن تحمله من مدخل موضوعي للحوار بين الحضارات من خلال تفهم نوع الصراعات القائمة بينها عبر التاريخ واحتوائها. .إن هذا الاتجاه التوظيفي هو سبب سقوط نظرية هنتنجتون عن صدام الحضارات وهو الذي أخرجها من دائرة التنظير إلى دائرة الإعلام السياسي.وثمة سبب آخر يتمثل في أنها أخطأت التعبير عن حقيقة الصراع الخفي بين الحضارات حيث إنه في الواقع صراع ثقافات وليس صراع حضارات، مما يتطلب منا أولا تعريف الحضارة والثقافة. ويمكن القول إن الحضارة هي النتاج المادي لصراع الإنسان مع الواقع من أجل إعمار الكون بينما الثقافة هي النتاج المعنوي والشق غير المادي لهذا الصراع. .إن مجموعة القيم التي تنتج عن الصراع المادي بين الإنسان والواقع تؤدي إلى خلق "ثقافة" قد تصطدم أو تتعارض مع قيم أخرى أفرزتها أنماط أخرى لهذا الصراع مع الواقع في مجتمعات أخرى .إن مثل هذا الصراع مع الواقع من أجل بناء الحضارة المادية قد يستلزم صراعات آنية مع مجتمعات أخرى، وهذا هو معنى صراع الحضارات؛ فهو صراع يتسم بالآنية والمادية والحدثية المرتبطة بالزمان والمكان والفعل المادي مثل الحروب والغزوات. أما صراع الثقافات فهو صراع فكري ونفسي غير مرئي، هو صراع التجارب والقيم البشرية المتغايرة والممتدة أو القابلة للامتداد خارج الزمان والمكان وهو مايجب أن يتركز الحوار حوله من أجل تقريب المسافات بين منظومات القيم والمعتقدات.
أما بالنسبة لحوارنا كعرب ومسلمين وشرقيين مع الغرب فإنه يفتقد شرطين أساسيين من شروط الحوار هما-في رأي الباحث- الرغبة الحقيقية المتساوية من قبل الأطراف في إقامة حوار، وقدر من الندية بين الكيانات الاعتبارية التي تمثل طرفي الحوار. ونقصد بالشرط الأول وجود نزعة فعلية لدى طرفي الحوار في إقامة حوار حقيقي يهدف إلى الانتقال من نقطة ما قبل الحوار إلى نقطة أخرى بعده يتم الالتقاء عندها بين المتحاورين حول أمور تعذر الاتفاق بشأنها على رأي قبل بدء الحوار. ولايشترط أن يكون الالتقاء بمعنى الاتفاق في وجهات النظر وإنما قد يكون معناه حصر نقاط الخلاف والتعرف المشترك عليها، إذ أن الاتفاق حول الاختلاف هو ضرب من الاتفاق. إن وجود هذه الرغبة مسبقا يقاس بمدى التغير الحادث على مستوى الواقع كنتيجة للحوار سواء في شكل تغير في التوجه العام نحو الآخر كما تعكسه وسائل الإعلام أو في شكل أفعال مادية تتمثل في مزيد من التسامح وتقليص العنف وتقبل الآخر .ويشهد الواقع الذي يتراءى في مرآة وعينا ليل نهار-دون الحاجة إلى التدليل عليه ببيانات إمبريقية- أن هذا التغيير في الواقع لم يحدث برغم كل الحوارات والمؤتمرات، بل إن الحملة الشرسة ضد العرب والمسلمين بل والشرقيين بوجه عام يتسع أوارها يوما بعد يوم من قبل الغرب سواء على المستوى الرسمي أو الإعلامي أو الشعبي الذي يتشكل الوعي فيه وفقا للمستويين الأولين ولاتؤثر فيه توصيات المؤتمرات. .إن أسباب عدم وجود هذه الرغبة من جانبنا في إقامة حوار حقيقي يهدف إلى تغيير الواقع مفهومة؛ إذ أنه لايتصور أن قوما لم يستطيعوا حتى الآن إقامة حوار حقيقي بناء وفعال فيما بينهم حول قضاياهم المصيرية المشتركة يمكن أن تتولد لديهم رغبة حقيقية في إقامة حوار مع أي طرف أخر خارجي يهدف إلى حل المشكلات وليس إلى الحصول على منافع من طرف أقوى أو تحسين الصورة الحضارية أمامه على نحو "يليق" بالتعامل معه. ومن جانب الغرب، فإن غياب هذه الرغبة الحقيقية في إقامة حوار معنا يدل عليه تزايد واستمرار الخطاب المعادي للإسلام الذي لايمثل الديانة الرئيسية للعرب والشرقيين فحسب بل يمثل ثقافة جامعة لثقافات فرعية كثيرة تشمل العرب وغيرهم. وهو خطاب ليس بجديد، وإنما هو ممتد من القرون الوسطى –وإن اتخذ أشكالا متباينة- دون الوقوف برهة في محاولة لتفكيكه وإعادة النظر فيه بل على العكس تتم إعادة انتاجه وتقديمه بأساليب متنوعة تتوافق مع الأهداف "الحضارية" الجديدة. ولذا نجد أن الذين يمثلون الطرفين على مائدة الحوار ينتمون إلى ذلك المستوى الرسمي الذي يمثل الحكومات ولايمثل الشعوب فيتحول الحوار إلى بروتوكول دبلوماسي ثقافي بين الجهات الرسمية في كل بلد مشارك في إطار اتفاق "جنتلمان" ضمني على أن يسير الحوار في اتجاه "النجاح".
أما الشرط الثاني وهو الندية الحضارية فهو مرتبط ارتباطا وثيقا بالشرط الأول وذلك لأن غياب الرغبة الحقيقية في إقامة حوار هادف مع الغرب تقابلها الرغبة البديلة المتمثلة في السعي إلى تحسين صورتنا الحضارية أمامه بسبب احتياجنا الدائم له اقتصاديا وثقافيا وحضاريا ممايؤدي في النهاية إلى قبولنا وضعية المدان ومن هوفي قفص الاتهام و يتعين عليه أن يبرأ ساحته ومن هنا يتحول الحوار من جانبنا إلى نوع من التمسح الحضاري لايمكن إلا أن نجني من وراءه إلا مزيدا من ازدراء الآخر لنا. وبعبارة أخرى، إنه في ظل حالة الارتماء الحضاري التام غير الانتقائي وغير المشروط في أحضان الحضارة الغربية، لن يمكننا إقامة حوار متوازن مع الغرب قائم على الندية التي عمادها الشعور بالاستقلال من جانبنا والاحترام تجاهنا من جانب الآخر. ومع ذلك،فإن هذا لايعني إرجاء الحوار حتى تتحقق هذه الندية لأن هذا أمر لاتوجد أية مؤشرات في الواقع تدل على إمكانية تحققه في المستقبل القريب. .إن ثمة نوعا آخر من الندية التي يمكن –لو وجدت على طاولة الحوار-أن تسفر عن حوار جاد من شأنه أن يحل بعض مشكلات سوء الفهم بيننا وبين الغرب –هي ما يمكن أن نسميه "ندية الوعي". فالمحاور الغربي يجلس على طاولة حوار الحضارات والأديان معنا وهو على وعي تام بتاريخ الموقف الغربي من الإسلام على مدى العصور سواء الموقف الثيولوجي الذي ساد في العصور الوسطى وكان ينظر للإسلام على أنه "مسيحية مشوهة" أو الموقف العلماني الذي بدأ مع عصر التنوير الأوروبي واستمر حتى الآن واعتبر القيم الإسلامية هي النقيض التام للحضارة الغربية، كما أنه على وعي تام بطبيعة مواقفنا التاريخية والحالية نحو الغرب والتي تراوحت بين نقيضين يرى أحدهما في الغرب "الشيطان" الذي يريد أن يدمر أخلاقنا وقيمنا والآخر الذي يرى فيه ملاك الرحمة الذي يسعى إلى إخراجنا من الجهل والتخلف إلى العلم والمدنية. ويبقى هذا الوعي المعرفي دائما في خلفية المحاور الغربي –والذي يستمده من الدراسات والأبحاث دقيقة التخصص عن الشرق الإسلامي والتي تشرحه على كل المستويات التاريخية والثقافية والاجتماعية –وهو على طاولة الحوار بينما لايوجد لدى المحاور المسلم –والعربي خاصة –وعي مماثل قائم على التحليل المتعمق لحقائق وتاريخ المواقف الغربية –السلبية والإيجابية عن الإسلام نظرا لعدم وجود وعي إسلامي وعربي مضاد متبلور في شكل أبحاث ودراسات تقوم بتفكيك الخطاب الغربي عن الإسلام –من مثل محاولة إدوارد سعيد الجادة في دراسته الشهيرة "الاستشراق" لتفكيك الخطاب الاستشراقي بوصفه مفكرا غربيا محايدا أولا وعربيا مهموما بقضايا موطنه الأصلي ثانيا. إن هذه الندية على مستوى الوعي المعرفي بالآخر من شأنها أن تؤدي إلى حوار متوازن يعي كل طرف فيه نقاط الضعف والقوة عنده وعند الطرف الآخر. وليس معنى ذلك أننا نقصد أن يتحول الحوار إلى مناظرة لإثبات من هو على حق ومن هو على باطل ولكن أن يبقى هذا الوعي في خلفية المتحاورين دون توظيفه خطابيا ولكن من أجل الاستعانة به لتحليل الخطاب الحواري الدائر مما من شأنه أن يكشف عن النوايا الحقيقية للأطراف وأهدافها من إقامة الحوار مما يساعد في النهاية على بلورة رؤية حول انعكاس نتائج الحوار على الواقع في شكل أفعال مادية حقيقية تبني جسورا من التواصل الحقيقي القائم على الرؤية الموضوعية والمنصفة للآخر الخالية من التعصب العرقي والديني.ولكي يتحقق لنا هذا الوعي الذي نعده شرطا من شروط الندية الحضارية والمعرفية في التحاور مع الغرب –فلابد أن نحدد عناصره ونناقش كل عنصر على حدة. وتتمثل هذه العناصر في فهم وتحديد موقفنا من الآخر وفهم موقفنا نحن من أنفسنا حيث لايمكن تصور إقامة حوار مع الغرب دون أن نبلور رؤية واضحة فيما بيننا حول طبيعة موقفنا منه ولن يتحقق ذلك إلا بالتحاور فيما بيننا أولا لتوحيد الصفوف ورأب التصدعات وضبط إيقاع خطابنا الإعلامي والديني والثقافي على وتيرة واحدة بحيث لايتشرذم في اتجاهات متضاربة لاتخدم أية قضية في صالح الخروج من المأزق الحالي في علاقتنا بالغرب.ثم يأتي العنصر الثالث من هذا الوعي المنشود وهو الوقوف على حقيقة الموقف الغربي منا كمسلمين وعرب وشرقيين سواء على المستوى الرسمي المعلن أو على المستوى الشعبي والأكاديمي الإعلامي وربطه تاريخيا بالخطاب الغربي عن الإسلام والشرق في العصور المختلفة. وهذا مانتصدى له في هذا الفصل. إن تحديد المواقف في بحثنا الحالي يعني أحد أمرين: التحديد بمعنى وصف المواقف والاتجاهات والإحاطة بها كما هي في الواقع برسم دوائر حولها دون الدخول فيها، ثم التحديد بمعنى اتخاذ موقف واتجاه فكري معين حيال هذه المواقف القائمة فعلا بما يوجه بوصلتها توجيها سليما نحو حوار مثمر مع الغرب والتحديد بهذا المعنى لايعدو أن يكون وجهة نظر الباحث في هذا البحث. وبعبارة أخرى، فإن التحديد في الحالة الأولى هو فعل رصدي لحالة موضوعية يكتفي الباحث بتسجيلها فينمونولوجيا وفي الحالة الثانية هو فعل ذهني ذاتي يمثل توجه الباحث.
3:1 الموقف من الذات
إن الذات هي التمثيل المعرفي للهوية. ومن خلال مجموع الذوات الفردية تتشكل الهوية الجمعية التي قد تكون هوية ثقافية أو دينية أو سياسية .والآخر هو كل من يقع خارج الذات الفردية الواعية،.وقد يشترك الآخر مع الذات في أحد عناصر الهوية أو كلها فنطلق عليه في هذه الحالة الآخر المماثل، وقد لايشترك معها في أي عنصر من هذه العناصر فنسميه الآخر المغاير.والآخر المماثل قد يكون مماثلا تاما أو مماثلا غير تام ؛فهو مماثل تام إذا كان مشتركا مع الذات في عناصر الهوية الثلاثة مثل كل المصريين المسلمين بالقياس إلى بعضهم البعض لأنهم يشتركون في الهوية السياسية التي تحدد جنسيتهم وانتمائهم إلى وحدة سياسية محددة هي جمهورية مصر العربية ويعتنقون دينا واحدا هو الإسلام، كما أنهم ينتمون إلى ثقافة واحدة هي الثقافة العربية.أما الآخر الذي يعد مماثلا غير تام فهو مثل السعودي بالقياس إلى المصري المسلم حيث يشاركه الهويتين الدينية والثقافية ويفترق معه في الهوية السياسية*. إن الآخر المماثل هو في الحقيقة جزء من الذات الجمعية برغم أنه يمثل موضوعا بالنسبة للذات الفردية ولذا فإننا عند الحديث عن "الموقف من الآخر" فإننا سنقصد الآخر المغاير الذي لايشترك معنا في أي من العناصر الثلاثة للهوية. أما في فقرتنا الحالية المنصبة حول الموقف من الذات فإننا نعني بالآخر الآخر المماثل الذي هو في الواقع جزء من الذات الجمعية كما أشرنا حا لا. ونظرا لأننا نساكن الآخر المغاير في نفس المنظومة الحضارية فيمكن أن نطلق عليه الآخر الحضاري بينما نسمي الآخر المماثل الآخر الثقافي نظرا لأن الثقافة هي القاسم المشترك بين الهوية السياسية والهوية الدينية. .إن الموقف من الذات في وعينا الحضاري المعاصر يتحدد على ثلاث جبهات رئيسية تشهد كل منها قدرا كبيرا من الاستقطاب يؤثر بلا شك سلبا على حوارنا مع الآخر المغاير.لذا وجب تعيين المواقف على هذه الجبهات الثلاث ثم تبني مواقف مضادة لوقف حالة الاستقطاب من أجل توحيد هذه الجبهات في المواجهة الحوارية مع هذا الآخر .
1:3:1 جبهة التراثيين والحداثيين
لاشك أن الاختلاف هو ظاهرة صحية ومشروعة خاصة إذا ما كان في ظل منظومة حضارية مكتملة توجه هدفه وغايته وتحدد بوصلته وفق التوجه الحضاري العام لهذه المنظومة. وفي هذه الحالة فإن الاختلاف لايكون اختلافا جوهريا في الفكر أو الهدف الحضاري أو المعرفي وإنما يكون اختلافا في منهج التفكير وزاوية النظر وتأويل النص و قد يكون متأثرا بالمرجعية المعرفية للأطراف المختلفة وعالم الخطاب الذي يتواجدون فيه فكريا ولغويا.ولذا فقد اختلف أسلافنا على هذا النحو فكانت هنالك مدرسة الرأي ومدرسة الحديث وأهل الفقه وأهل الكلام وكان منهم الأشاعرة وعلى رأسهم الغزالي الذي أنكر السببية واعتبرها عادة عقلية ليرد الأسباب كلها إلى الله علة العلل. وهناك المعتزلة الذين خالفوهم في الرأي وكان أبرزهم ابن رشد الذي قال إنه بدون العلل فلا معنى لوجود العقل.وهذا الاختلاف على كلتا الجبهتين لم يؤد إلى هدم أي قضية من قضايا الثوابت العقيدية التي قامت عليها الحضارة الإسلامية. إلا أن التوجه الأول كان ثيولوجيا يدعم العقيدة بينما الثاني كان "ظواهريا" يهدف إلى تفسير الظواهر تفسيرا علميا لايستند إلى الغيبيات وفي نفس الوقت لاينفيها إلا أنها ليست طريقه في الوصول إلى الحقيقة. ونجد أن المنهجين، رغم تعارضهما الظاهري، فكلاهما يلتقيان عند هدف واحد هو الحقيقة :الأول ينشد الحقيقة الإيمانية الذاتية والثاني يسعى إلى الحقيقة العلمية الموضوعية وهذا وذاك معا يوصلان إلى ديالكتيك حضاري-ثقافي متكامل على المستوى الجمعي وعقلي-وجداني متكامل أيضا على المستوى الفردي. وإذا تحدثنا-منهجيا- عن الاختلاف في إطار العلاقة بالآخر،سواء المماثل أم المغاير، فإن الحديث يجب أن يكون منصبا على إطار ومنهجية الاختلاف وليس على مضمونه لأن المضمون هو ملك للأطراف المختلفة كل على حدة أما الإطار العام فهو ملك للأطراف مجتمعين ويتمثل في قبول فكرة الاختلاف ذاتها والاستعداد لإقامة حوار عقلاني مع الآخر الذي يتم الاختلاف معه،مما يؤدي إلى ميلاد نغم حضاري يربط بين الإطار العام والمضامين المختلفة منهجيا وخطابيا والملتقية حضاريا. إن العلاقة بين إطار الاختلاف غير المعلن و الذي يحمله السياق الثقافي والحضاري الذي ينتمي إليه الأطراف وبين المضمون المعلن المختلف حوله هي مثل العلاقة بين فتيل المصباح الكهربائي وزجاجته بحيث يكون المضمون هو ذلك الفتيل أما الزجاجة فهي الإطار الذي يحول الفتيل من نار تلهب إلى وهج يضيء ما حوله. وفي غياب المنظومة الحضارية الموجهة يختفي هذا الإطار العام وبالتالي نجد أنفسنا مدفوعين بقوة الجاذبية نحو مضمون الاختلاف المتجرد من الإطار لكل من طرفي/أطراف الخلاف أي نحو الفتيل العاري من زجاجة المصباح فيحدث التصادم بين" الفتائل العارية" ليستحيل الوهج إلى نار تحرق بدلا من أن يكون اتحاد الإطار مع المضمون مصابيح حضارية تشع ضوءا مختلف الألوان والأشكال…
حينئذ قد يتطاير الشرر ويمنع أي طرف من الاقتراب من الطرف الآخر خوفا من أن يصعقه "تيار المضمون" فكيف إذا أراد هؤلاء جميعا أن يلتقوا كطرف واحد في جديلة واحدة على جانب نضد واحد في مواجهة طرف مغاير تماما لإقامة حوار معه، هل إلى هذا الالتقاء من سبيل ؟ ولو أمكن تدبيره هل سيؤدي إلى حوار حقيقي مع الطرف الآخر المغاير أم ستتصادم الفتائل الملتهبة العارية من زجاجة المصباح الحضاري بشحنها المتنافرة على هذا الجانب أو ذاك من طاولة الحوار ليتلظى بشررها الجميع وقد تطال أوراق الحوار فتحرقها؟ إن هذا هو حال الاختلافات القائمة حاليا بين المعسكرات المختلفة في الشرق العربي –الإسلامي؛ فهي اختلافات غاب عنها الإطار الحضاري العام الذي أشرنا إليه ليحتل المضمون مكانه وليتحول هذا المضمون إلى أيقونة في حد ذاته يتم التعبد لها دونما هدف أو مغزى حقيقي وعلى حساب الذات الفردية والجمعية فيكون النتاج هو التشرذم التام وتحول معسكرات الاختلاف المشروع إلى عصبيات يتخذ كل منها من معسكره معبدا للتعبد لإله المضمون الذي ما ينفك يرسل الرسل ويوحي إليهم بكل الكتب والنصوص التي تعلم المؤمنين به كيف يتعبدون في محرابه ويقدمون له القرابين. ومن بين الاختلافات التي طغى فيها المضمون على الهدف وغلب التعصب لإله المحتوى وتقديسه على" إنسان " الحضارة الذي لايدين لأي إله سوى العقل والمنهج ذلك الاختلاف حول مسألة التراث وهل الخير في إقامة قطيعة معرفية معه وتبني المشروع الحداثي الجاهز الذي يقدمه الآخر المغاير أم في بناء جسور معرفية متينة معه لانحتاج معها لأي مدد خارجي في انطلاقنا نحو بناء الحضارة. ونظرا لغياب الإطار فإننا كما قلنا مضطرون إلى التعامل مع المضمون –لكلا الرأيين أملا في أن الوصول إلى حلول وسط حول الاختلافات "المضمونية" الجوهرية يمكن أن يولد إطارا منهجيا جديدا للحوار الداخلي قد يصلح أيضا لأن يتخذ مرجعية ونموذجا لإدارة الحوار مع الآخر الحضاري من جانبنا. وفي حياتنا الثقافية المعاصرة نجد أن معسكر التتريث يقف على رأسه رجال مثل محمود محمد شاكر المحقق التراثي المصري الذي يرى أن الثقافة واللغة هما مكونان ثابتان تقوم عليهما الحضارة كمرحلة تالية[6]. وبالتالي فإنه ينظر للتراث في إطار رؤيته العامة للثقافة كمعطى أول وأساس للحضارة مما يفهم منه أن الثقافة عنده نسق مغلق لايتطور بتطور الحضارة أويسير معها متخبطا في دهاليزها الوعرة بحيث لاتربطه بها سوى وحدة الهدف، وهو ما يخالف مفهومنا عن الثقافة من حيث كونها نسقا متطورا يتكون من مرجعية أساسية تمثل نواة تكوينه العقلي وقيم حادثة تتولد نتيجة الصراع مع الواقع في ملحمة إنتاج الحضارة .إن اعتبار الثقافة أساسا للحضارة يؤدي إلى تحويل التراث إلى أيقونة مقدسة نبني عليها دون أن نفهم تفاصيلها وكيف تكونت من خلال التفاعل مع النسق الحضاري القائم مما يؤدي إلى تكريس الوضع الراهن المتمثل في الاحتفاء بالتراث والتشدق به دون فهمه أو القدرة على تحليل معطياته وتفكيك محتواه للوقوف على المشترك المعرفي بينه وبين الفكر الحداثي بل والتراث الإنساني ككل، فينتهي الأمر إلى ترديد عبارات تبدأ ب "عندنا" و "نحن أول من" دون الوقوف على طبيعة التجربة التي أنتجت هذه "العندية " وهذا "السبق" لتبين (1) إمكانية تكرارها بنفس الكيفية (2) مساحة التشابه والاختلاف بين النسق الذي أنتجته التجربة (حضاريا) وأنتجت داخله (ثقافيا) والنسق الحضاري للآخر المغاير الذي نتواجد خارجه الآن حضاريا وداخله ثقافيا . ونجد على رأس المعسكر الآخر المخاصم للتراث شاعرا مثل "أدونيس" الذي يرى في التراث قيدا على الإبداع والانطلاق خاصة في مجاله هو مجال الشعر ويرى أن "بذور التراث التي قدر لها أن تنتشر وتسود ليست صالحة لكي نتخذ منها نقطة انطلاق أو نرتبط بها وأن الاتجاهات التي اصطلح على تسميتها بالحديثة إنما هي صادرة عن هذه البذور الميتة". وفي حقيقة الأمر، إن التراث هو "كنز للشاعر بالذات إذ لايمكن لقصيدة هذا الشاعر أن يكون لها شأن لا في الحاضر ولا في المستقبل إن تجاهل صاحبها هذا التراث أو اقترب أكثر من اللازم من تراث الآخرين "[7]
وهذا يعني أن موقف المبدع العربي المعادي للتراث هو موقف مناقض لذاته لأن نفي التراث في هذه الحالة هو نفي للهوية التي يتعارف المبدع من خلالها مع جمهوره بل هو فقد بغير رجعة لبطاقة الهوية التي يدخل بها المبدع إلى الجمهور الذي يتآلف معه من خلال المشترك الثقافي واللغوي.
إن مثل هذا الموقف من جانب أدونيس وغيره من المبدعين قد يفسر بمايمكن أن نسميه الإغراق في مرجعية معرفية واحدة للمفكر أو المبدع تجعله يرى العالم والزمن من خلالها هي فقط نتيجة انغماسه المفرط فيها مما يؤدي إلى توهم وجوب النفي أو الانقطاع عن العوالم أو الأزمنة الأخرى التي تقع خارجها وهي حالة صوفية تتمثل في الفناء التام للمبدع مع العالم الذي يدين له بولاءه المعرفي- بما يحمله من أيديولوجيات وخطاب وقيم تنافي العوالم الأخرى وهي بالتالي حالة مؤقتة من النشوى الذهنية يمكن للمبدع التخلص منها من خلال الحوار مع أناس ينتمون إلى مرجعيات فكرية ومعرفية مغايرة .
إن مشكلة الموقف من التراث في مواجهة الحداثة لاتحل إلا بالاتفاق أولا على مفهوم واضح للتراث؛ فهل يقصد به التراث الجمالي المحض من أدب وشعر ونثر والذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة اسطاطيقيا وأنثروبولوجيا أم التراث المعرفي الذي يرتبط بالثقافة من خلال الوعاء دون المحتوى أي من خلال عالم الخطاب واللغة والبنية المعرفية والأنطولوجية للثقافة و ينفرد عنها بمضمون ذي طابع عالمي كوني يتمثل في الإسهامات العلمية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية التي قدمها العرب والمسلمون للحضارة والتي تعتبر جزءا من التراث الإنساني بهذا المعنى. وفي هذه الحالة الأخيرة –أي حالة التراث المعرفي- يكون من غير الإنصاف أن نتكلم عن التراث الإنجليزي مثلا على قدم المساواة مع التراث الإسلامي لأن الأول يفتقر إلى الشق المعرفي الصرف ذي الطابع العالمي الذي يتميز به التراث الإسلامي. وانطلاقا من افتراض أن الحضارات تتشابه في الأهداف،فلابد أن يكون هنالك قواسم مشتركة بينها، تلك القواسم تنجلى حتما فيما يتم إنتاجه داخلها من معارف نجد أمثلة لها في ثنائيات معرفية كثيرة عبر الحضارتين الإسلامية "التراثية " والغربية الممتدة منذ عصر النهضة وحتى الآن مثل ثنائيات ابن –خلدون-دوركايم ،عبد القاهر-تشومسكي، الغزالي –هيوم. .إذن فمصطلح التراث يحتاج إلى إعادة نظر في الرؤية التراثية التي تراه أيقونة للتباهي والحداثية التي تراه مجموعة من الكتب الصفراء البالية. إن المشترك المعرفي بين التراث الإسلامي ومنظومة المعرفة الإنسانية لن يتم استخلاصه إلا بإعادة القراءة الجادة لهذا التراث. ونجد في بعض الكتابات المعاصرة مايعيننا على ذلك. وعلى سبيل المثال تقف كتابات محمد عابد الجابري حول نقد العقل العربي في موقف وسط بين الرؤيتين المنحازتين من خلال التحليل الموضوعي للتراث باستخدام كل أدوات التحليل المتاحة في اللسانيات وعلم الاجتماع[8] ورغم أن كتابات الجابري في هذا الصدد تهدف قبل كل شيء إلى القيام بدراسة تحليلية ناقدة للثقافة العربية بغية فهم تكوين وبنية العقل العربي إلا أنه يمكن الاستفادة منها أيضا في دراسة المشترك المعرفي بين التراث الإسلامي والمنتج المعرفي الغربي لأن المجهود الذي انطوت عليه هذه الدراسات نجح في وضع سلال تصنيفة جاهزة لمصادر المعرفة في التراث العربي تعين الباحث على إيجاد مايضاهي الأفكار والمعارف التي أنتجتها عقول العرب والمسلمين في الحضارات الأخرى وخاصة الحضارة الغربية المعاصرة. (انظر الفصل الثاني)
إن الفهم الموضوعي والمتعمق للتراث ،متى تحقق، ربما يساهم في إيجاد جبهة موحدة داخليا تذوب داخلها الاتجاهات المتطرفة في معسكري التتريث والتغريب، ولست أعني بذلك خلق وحدة مصطنعة تلغي الاختلافات في الرأي بحجة توحيده من أجل هدف محدد هو الظهور بمظهر المتوحد حضاريا وثقافيا أمام الآخر المغاير أوعمل جبيرة مفتعلة للتصدعات البينية سرعان ماتنفك بمجرد انقضاء الحدث الحواري مع الأخذ في الاعتبار أن الحوار الحقيقي مع الآخر المغاير ليس هو الحوار الشخصي بين الأفراد وإنما هو حوار فكري بين العقول سواء تقابل أصحابها على موائد الحوار أم لم يتقابلوا، وهو نفس المنطق الذي يجب أن يحكم حوارنا الداخلي أي حوار الذات مع الآخر المماثل.
2:3:1جبهة الإسلاميين والعلمانيين
تعد جبهة الإسلاميين والعلمانيين من أكثر الجبهات شقاقا واستعصا ء على التوفيق بين طرفيها نظرا لأن كلا الطرفين يتخذ موقفا متطرفا إزاء الآخر لايريد أن يتزحزح عنه أو يتبنى موقف الآخر أو على الأقل يحاول تفهمه.ونقسم التطرف على مستوى الجبهتين إلى نوعين: تطرف منهجي وتطرف مذهبي. والنوع الأول –أي التطرف المنهجي يتخذ منهجا في التعامل مع الواقع يتطرف –أي يبتعد بشدة- عن مستوى هذا الواقع الذي يتعامل معه ويتمسك بمرجعية فكرية خاصة به لاتتقاطع بالضرورة مع معطيات الواقع، وإن كان المضمون الذي يدعو إليه مشروعا. أما التطرف المذهبي فيقصد به التطرف في المضمون الخاص بكل جبهة أي العزوف عن التوجهات الفكرية المعتدلة على كلا الجبهتين- والتي يمكن تحقيق التوفيق بينها- والنزوع إلى التوجهات والآراء المتشددة.
1:2:3:1 التطرف المنهجي
يكمن وجه التطرف المنهجي عند الإسلاميين في أنهم يريدون إصلاح المجتمعات الإسلامية دفعة واحدة سواء على المستوى العقيدي أو القيمي أو التشريعي، رغم أن الإسلام نفسه في رحلته ونضاله التاريخي في إصلاح المجتمعات لم يفرض هذه المنظومات الثلاث على المجتمع جملة واحدة وإنما بدأ بمنظومة المعتقدات ،تلتها منظومة القيم ثم منظومة التشريعات كما يتضح لنا ذلك في تسلسل الخطاب القرآني ابتداء من المرحلة المكية إلى نهاية المرحلة المدنية حيث كان التركيز في بادئ الأمر على ترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين –تلك العقيدة التي كانت بعد ذلك وقود مشعل الحضارة الإسلامية للعالم- ثم كان الاتجاه إلى ترسيخ منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية لبناء شخصية قادرة على تحقيق تلك المعادلة الصعبة بين الروح والجسد و الذات والموضوع وبين إملاءات الإيمان وشطحات الهوى؛ بين ضبط النفس الذي يمليه العقل وبين جموح العاطفة الذي يمليه إفرط الانفعال بالعقيدة. . ومع تمثل هاتين المنظومتين في النفس-أي منظومة الاعتقاد والقيم يأتي التقيد بمنظومة التشريع أمرا نابعا من الذات لايحتاج إلى قوة خارجية تفرضه، فإذا ما وجدت هذه القوة في شكل سلطة سياسية حاكمة لايحس الفرد بوطئتها أو بثقلها عليه لأنها إنما هي تمثل روح الجماعة التي تقمصها الفرد قبل اندماجه فيها وقبل وعيه بها أصلا بل وقبل أن توجد الجماعة. إن واقع العالم الإسلامي –الذي يعد المشرق العربي ثقافة فرعية منه- يشهد بأن هذا الهرم المتدرج للمنهج الإسلامي –عقيدة وقيما وشرعا –قد انثلم وتقوض-فإذا ما أريد إعادة بنائه فلابد أن يكون البناء من أسفل الهرم وليس من قمته أي من منظومة المعتقدات والقيم حتى نصل إلى قمة الهرم بشكل طبيعي وحينئذ لن يصبح الحديث عن علاقة الدين بالسياسة والتشريع مصدر إزعاج لأي أفراد أو نخب داخل المجتمع لم تتشرب وتتفهم منظومتي القيم والعقائد الإسلامية.
.إننا لانهدف أن نحول خطابنا في هذا المقام إلى مايشبه خطابا دعويا- إسلاميا-لأن هذا ليس موضوع البحث-بالاسترسال في سيرة الأمراض الفكرية والقيمية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وإنما فقط نريد أن ندلل على خطأ النهج الذي يتبناه الخطاب الإسلامي المعاصر ويؤدي إلى اصطدامه مع النخب العلمانية مما يقود في النهاية إلى التشويش على القضية الأساسية وهي توحيد جميع الصفوف والجبهات لدرء الأخطار التي تحيق بثقافتنا وحضارتنا معا باستخدام سلاحي الحوار والعقل بدلا من أن نضطر إلى درءها-رغما عنا باستخدام أسلحة لاتجلب علينا إلا الخراب والدمار. وينبغي هنا أن ننبه إلى أننا لانقصد في حديثنا عن التطرف في الموقف الديني الإسلامي ذلك التطرف الفكري الذي ليس لديه رؤية للواقع يمكن أن نتفق أو نختلف معها وإنما ينطلق من فكر اختزالي يبتسر الواقع المعقد في مجموعة أفكار مرتبطة بتأويل غير علمي وغير ممنهج للنصوص ثم يتصدى لقراءة الواقع في ضوء هذا التأويل وإقناع الذات بصحته دون غيره من الآراء والتأويلات وتكفير كل من يخالفه حتى وإن كان مخالفوه يمثلون جمهور علماء وفقهاء الأمة. .إن هذا النوع من التطرف الفكري الذي لايفرز إلا جماعات التكفير وكتائب القتل والدماء باسم الإسلام ليس هو مانقصده كنقيض للجبهة العلمانية وإنما نقصد –ببساطة-التطرف المنهجي من جانب الخطاب الإسلامي المعتاد، والمعتدل في مجمله، الذي يتراء ى لنا في وسائل الإعلام ومن قبل جماعات "الإسلام السياسي" –أي التطرف المتمثل في محاولة فرض المنهج الإسلامي دفعة واحدة دون الأخذ بمفهوم التدرج الهرمي الذي أشرنا إليه ونرى أنه السبيل الوحيد للإصلاح كما كان السبيل الأساسي في انتشار الإسلام. هذا التطرف المنهجي أدى إلى نوع من الاستقطاب في صورة تطرف منهجي مماثل من جانب النخب العلمانية.
فإذا انتقلنا للحديث عن هذ "التطرف المنهجي" على الجبهة العلمانية نجد أن علمانيي الشرق ينقسمون في خطابهم نحو الإسلام إلى قسمين: القسم الأول يرى ضرورة فصل الدين-ويقصدون به الإسلام- عن كل مناحي الحياة من فن وسياسة وعلوم طبيعية وإنسانية بحجة أن الدين هو اعتقاد قلبي لايتدخل في السلوك .وبتحليل هذا الرأي نجد أنه رأي غير متسق لأن الاعتقاد حتما سيؤثر على السلوك وذلك لأن البشر ليسوا مخازن للاعتقادات وإنما هم "أفران" تنصهر فيها العواطف والأفكا ر والانفعالات انصهارا يؤثر حتما على الفعل البشري الفردي ومن ثم الجماعي. إن هذا القول يشبه ماجاءت به المدرسة السلوكية في علم النفس قبيل منتصف القرن الماضي من اعتبار الإنسان ألة سلوك مفرغة من الداخل يمكن حصرها وتوقع ردود أفعالها في مجموعة منتهية من الارتباطات الشرطية تماما مثل فئران التجارب. وقد أثبتت جهود علم النفس المعرفي فيما بعد خطأ هذا التوجه وأن الإنسان كائن ذو تركيبة نفسية وعقلية داخلية معقدة وفريدة .وأكبر دليل على المشكلات المنهجية التي يعاني منها هذا التوجه أن الفصل بين الدين والحياة سيؤدي إلى انفصال الحياة عن منظومة القيم وهو الأمر الحادث الآن –وانهيار هذه المنظومة هو الذي أدى إلى الانهيار السلوكي والقيمي الذي تشهده المجتمعات العربية والإسلامية الآن. وربما تكون أحد التفسيرات العملية لهذا التوجه الذي يرى ضرورة الفصل بين الدين والحياة هو أن المنظومة القيمية والتشريعية الإسلامية في ظل التوجه المنهجي للخطاب الإسلامي المعاصر لاتتقاطع مع مصالح بعض النخب العلمانية التي ترتبط -ربما بشكل غير واع وغير مقصود بالرأسمالية العالمية التي تبغي تحقيق المكسب المادي بأي ثمن وتحت أي مسمى وهي مصالح لاترتاح للأيديولوجيات القيمية بوجه عام وتسعي إلى أن تجعل الرأسمالية العالمية هي الأيديولوجية بل والقيمة الوحيدة. و لنتصور معا إذا تم فرض القيم الإسلامية الحقيقية على المجتمع فجأة من قبل التيار الإسلامي لربما تهدمت من جراء ذلك الكثير من معسكرات الاستهلاك التي تسعى الرأسمالية الجديدة إلى حشر المجتمعات تحت أروقتها –سواء ماكان منها محرما تماما من وجهة النظر الإسلامية مثل الحانات والملاهي الليلية والفن التجاري المكرس للجنس والإباحية أو مايندرج منها تحت باب التبذير الاستهلاكي الذي يجعل الإنسان من "إخوان الشياطين". وهذا بلا شك سيؤثر على قطاع كبير من الرأسمالية العلمانية التي في الغالب لا تريد فصل الدين عن الحياة إلا لسبب هذه الخسائر التي يمكن أن يجنيها عليها الأخذ بالقيم الإسلامية .
إن الحل الوحيد لهذا المأزق هو أن تحاول الأحزاب الإسلامية أن تتخلى عن منهج الحل الفرضي الذي يستفز مصالح الرأسمالية العلمانية وأن تتبنى مبدأ التدرج في إعادة منظومة القيم إلى نصابها الصحيح بشكل يحقق الهدف دون أن يهدم الاقتصاد الرأسمالي دفعة واحدة تؤدي إلى مزيد من العداء بين الجبهتين .ولست أعني بذلك التهاون مع الفساد القيمي أو التقليص من الحملة ضد الانحدار القيمي الذي يعصف من خلاله الإعلام الرأسمالي بقيم مجتمعنا و شبابنا-سواء كانوا مسلمين أو مسحيين- بشكل تنصهر فيه هذه القيم إلى أرصدة في بنوك الرأسمالية العالمية. وإنما أقصد ألا تضع الأحزاب الدينية الإسلامية ذات التطرف المنهجي الذي أشرنا إليه هدم تلك المعسكرات المناوئة للقيم الإسلامية على أجندة أولوياتها-حال وصولها إلى دفة الحكم- هدما قد يضر بمنظومة الاقتصاد ككل لأن ثمة شبكة اقتصادية متكاملة ترتبط بهذا الاقتصاد الرأسمالي منها شركات ومؤسسات الإنتاج الإعلامي وشركات الدعاية والتصميم والإعلان وغيرها من المجالات بل إنه حتى فضائيات البث الإعلامي أصبحت تتعامل مع الخطاب الإسلامي "الإصلاحي" كسلعة لها "جمهورها" تماما مثل شبكات الفن العاري في منظومة واحدة يستحيل الفصل بينها إلا بهدم المنظومة كلها صالحها وطالحها وبعبارة أخرى،فإن الميكروفون الواحد تتكلم منه غانيات الغناء العاري و شيوخ الدعوة الإسلامية على حد سواء، فإذا قطع التيار عنه فسيسكت الجميع. وهكذا فإن هذا الواقع شديد التعقيد يحتاج إلى التعامل معه بحساسية شديدة تتخذ من الإصلاح الهادئ المتعقل الذي يعتمد على جذب الآخر رويدا رويدا إلى جانبه من خلال تحويل مؤسسات الإفساد القيمي شيئا فشيئا إلى مؤسسات للإصلاح القيمي دون وضع قوائم المقاصل السياسية والاجتماعية على أجندة أحزاب الإسلام السياسي مما يدفع إلى مزيد من الاستقطاب بين الجبهتين يؤدي إلى مزيد من التشرذم والشقاق. وإذا كان ثمة "جمهور" للاقتصاد الإعلامي الهادف –من وجهة نظر الإسلاميين –والمدر للربح من وجهة نظر العلمانيين الرأسماليين –فإن ازدياد مساحة هذا الإعلام الإصلاحي-مع غربلته من قبل رجال الدين والعلماء الثقاة – سيؤدي إلى التقاء مصالح جميع الأطراف.
أما القسم الثاني من العلمانيين فإنه يرى ضرورة فصل الدين عن السياسة فقط دون فصله عن نواحي الحياة الأخرى انطلاقا من أن دخول السياسة في الدين يؤدي إلى توظيف الدين توظيفا خاطئا ينتج عنه نوع من الحكم الثيوقراطي الذي ترتكب في ظله كل الجرائم باسم الدين. وهذا في الواقع موجز لرأي هذا القطاع من العلمانيين في العلاقة بين الدين والسياسة .ونظرا لأننا في هذا المقام لسنا بصدد القيام بمناظرة بين الإسلام والعلمانية –وإنما بصدد تحليل الأخطاء التي يقع فيها الخطاب العلماني والخطاب الإسلامي على حد سواء –مما يؤدي إلى تشتت الجهود وتفرق الصفوف في وقت نحتاج فيه إلى توحيدها على مائدة الحوار مع الغرب-فإننا سنفند هذا الرأي في عجالة لنتبين خطأه المنهجي. وهذا الرأي يقع في تناقض مع نفسه وذلك لأنه يريد الفصل بين الدين والسياسة ويرى عدم ضرورة هذا الفصل على مستوى مناحي الحياة الأخرى. وما السياسة إلا طريقة لإدارة الحياة فكيف تسير الحياة وفق منهج وتساس بمنهج آخر دون أن يؤدي ذلك إلى فساد عظيم ؟ ولنضرب مثالا على ذلك من خلال العلاقة بين السياسة ومنظومة القيم التي يقدمها الدين ،فإذا لم يتقيد الحاكم بقيم هذه المنظومة من عدل بين الرعية وصبر على شططهم ومشاورتهم في الأمر فسوف تتحول السياسة إلى ميكيافيلية تبرر غاياتها وسائلها ولن يكون لنا الحق حينئذ أن نلوم محمد علي على تخلصه البشع من المماليك-بحجة أنه لم تكن هنالك طريقة أخرى لإزاحتهم من طريقه- أو أن نلوم صداما على جرائمه ضد الأكراد وخاصة بعدما ثبت لنا بعد غيابه عن ساحة الحكم في العراق أنه كان يملك المفتاح السحري لحكم هذا البلد ! وقد يقول البعض إن تحريم هذه الجرائم يتعلق بقيم إنسانية عامة لاعلاقة لها بالدين. والجواب أننا كعرب ومسلمين لم نتقيد في تاريخنا بهذه القيم الإنسانية إلا من خلال تقيدنا بها كقيم دينية ويكفي لإثبات ذلك مقارنة بسيطة بين الذين قتلهم الأتراك في حروب البلقان التي وقف فيها المقاتل الروسي على قدم المساواة مع المقاتل المسلم من حيث كونه مقاتلا يحمل سلاحا ويطعن ويطعن من الأمام وبين ملايين العزل الذين أبادهم ميلسوفيتش على مرأى ومسمع من العالم كله. على أية حال إن هذا الرأي الذي يرى الفصل بين الدين والسياسة كان ومازال يتبناه مفكرون من الشعوب الإسلامية التي ذاقت الأمرين من الإرهاب السياسي وعلى رأسها الجزائر-فهو رأي له مايبرره من الناحية النفسية وإن لم يكن له مايبرره من الناحية الفكرية أو المنهجية[9].
وعلى الجانب الآخر نجد أن الخطاب الإسلامي المتطرف منهجيا المعتدل فكريا -مقارنة بالفكر التكفيري والجهادي- لايبذل أي مجهود لاحتواء مخاوف هذا النوع من الخطاب العلماني إزاء "الإسلام السياسي" –ذلك القالب النمطي الذي يضع فيه الخطاب العلماني الشرقي والإعلام الغربي الشق السياسي من الإسلام –بخطاب يشرح حقيقة العلاقة بين الإسلام والسياسة في إطار عقلاني علمي دون أن يكون علمانيا، دعوي دون أن يكون دعائيا ينتهي إلى النصوص ولايبدؤ بها ويقدم تنظيرا متماسكا للعلاقة بين المنظومات الثلاث –القيم والمعتقدات والشرائع –من منظور إسلامي مستنير يحاور الآخر كموضوع مغاير وليس كذات متماثلة ويتخذ منهجا متدرجا في التطبيق في أجندة الظل التي يحملها لا مقاصل هدم الهياكل القائمة إذا ما أتيح للظل أن يصير حرورا . لايفعل هذا الخطاب سوى مزيد من الاستفزاز لم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ